بسم الله الرحمن الرحيم
” اليوم سألتقي الشمس باسماً” ..
أخرج من خزانة ملابسه لباسه الجديد ..
فهذا الصباح سيكون جديداً بالنسبة له .. بعد أسبوع العذابات الذي هبط عليه ..
كل شيء جديد .. لباس .. جوارب .. قبعة ..
ولابد أيضاً من … قلم! سيحتاج قلمه اليوم في الخارج ..
سيكتب به اسمها كاملاً على ورقة يزين بها البيت الذي سيصنعانه معاً ..
سيبهجها الخط الديواني الذي تعلمه هذا الأسبوع ..
إنها لا زالت في الصف الثالث حيث لا شيء تعرفه عن هذا الخط ..
الساعة الثامنة صباحاً .. أليس هذا هو الموعد الذي اتفقا عليه ..
هرول من باب غرفته نحو الممر المؤدي إلى الخارج مباشرة ..
فلا حاجة لأن يذهب إلى غرفتها لإيقاظها ..
لقد أكدت له مراراً أنها ستلتقيه هناك .. عند آخر ظل الشجرة ..
حيث يستقبلان الشمس مبتسمين ..
لا.. لن يمر على غرفتها .. أسبوع كامل قضاه وهو يمر على غرفتها بشكل دائم ..
لم تظهر له أبداً ..
كان يعلم أنها لم تذهب إلى المدرسة ..
فلم تكن لتذهب دون (المريول) المعلق في خزانتها ..
وقبل ليلتين .. أوهم أهله أنه نائم .. ثم تسلل إلى غرفتها لكي يفاجئها وهي نائمة ..
لكنه اكتشف أنها لم تنم في البيت ..
يالها من مشاغبة كيف تجرؤ على ترك البيت في هذا الليل الذي تجتر فيه الكلاب أصواتها ..
آه ..الكلاب .. إنها تخاف منها .. هي قالت له ذلك ..
فكيف تجرأت وخرجت ..
ثم لماذا لم يغضب أبوه عليها ..
ربما لم يدري بعد ..
وهو لا يستطيع أن يخبره ..
لقد عاهدها أن يكون وفياً ..
ومنذ تلك الليلة .. لم يرها سوى البارحة ..
كانت في غاية الروعة ..
وكان لسانها صادقاً حين وعدته ..
لذلك لم يكن هناك شيء يستحق عتابها عليه ..
فهو يريدها سعيدة ومبتسمة ..
ويريدها أن تعود بسرعة حتى لا تكذب عليه أمه مرة أخرى بشأنها ..
- حبيبي .. على وين؟
- أختي تنتظرني تحت الشجرة .. ولا أريد أن أتأخر ..
- ولن تقبل يدي ؟..
- لو تأخرت ..لن تنام في البيت هذا اليوم .. لكن ..
انطلق يحضن أمه ويقبلها ..
- أمي .. بودي أن تأتي معي ..
لكن خلود حلفتني أن أذهب لوحدي ..
لا تغضبي عليها .. أعرف أنها تحبك ..
لكنني أظنها خجلة منك .. أرجوك سامحيها ..
وسأطلب منها أن تقبل قدميك .. خلود لا ترفض لي طلباً ..
- ولدي حبيبي .. متى طلبت منك ذلك ؟
- البارحة وأنا نائم ..
أيقظتني وأخبرتني .. لكنها كانت مستعجلة ..
رفضت حتى أن أشعل النور ..
تصدقين أمي .. لباسها كان رائعاً ..
بيضاء كانت كالثلج .. وفستانها كان نظيفاً حتى لا تغضبي عليها ..
حتى قبعتها كانت تمسك بها خوفاً من الريح ..
أخبريني أمي .. متى اشتريتم لها فستانها ذلك ..
ألست ولدك مثلها .. لكنني لم أغضب ..
إنها أختي .. وأهم شيء أنها جاءتني أنا وأخبرتني أنها ستعود ..
كالعصفور ينطلق إلى الخارج ..
حنينه يعرقل خطواته ..
لم يكن يجري في خط مستقيم ..
لقد أخذ منه الإعياء مبلغه ..
إنها الروح حين تحلق ..
لا تترك غير بدن منهك نحيل ..
اسمها الروح .. لكنها حين تستيقظ ..
تكون ريحاً تعصف بالبدن ..
فتغادره مصفراً ..
كان يجري .. ومن وراءه توقفت أمه على باب بيتها ..
غير أن دموعها تبعته ..
لديها يقين أنه سيتعلم حين يصل إلى الشجرة كل ما علمته البارحة
عن الموت .. والقدر .. والجنة ..
فطرة الله أراحتها ..
لكنه ولدها .. وهي أمه ..
وبينهما مسافة من الرحمة والحب ..
في ظل شجرة الموعد ..
توقفت انتفاضة قدميه ..
وخطوة خطوة .. تقدم نحو الخط الفاصل بين الظل وبين الشمس ..
هنا كان عليه أن يلقاها ..
هنا سيجمعان التراب سوياً ..
هنا سيبنيان بيتاً من طين ..
وسيكتب اسمها كاملاً .. ثم بعدها يهدمانه ..
والآن أيقن الفتى ..
أن موعدها ما كان إلا كبيت من الطين مصيره الهدم ..
لتبقى الذكرى ..
رفع رأسه نحو الشمس وتقدم خطوة إليها ..
فللجسم أن يغسله الضياء .. وللروح أن يغسلها البكاء ..
تحت خيوط الشمس ..
التفت حوله أصابع الرحمة ..
وفي حضن حنينها الدافيء ..
أحس براحة تتملكه ..
نظر إلى أمه طويلاً ..
وهو يدرك أن لديه من الحب ما يكفيه ..
ومن الذكرى .. قصص تبعث الحنين والدفء ..
- “أمي ؟”
- حبيبي!
- إذا أطعت الله سيرحمني .. وحين يرحمني .. سألقاها .. وفي الجنة سوياً سنكون ..
- يا رب..